عبد الكريم الخطيب

1203

التفسير القرآنى للقرآن

إلا إذا وقع في نفوس الآباء وقوعا محققا أن هؤلاء الأبناء من أصلابهم ، وأنهم غرسهم الذي غرسوه ، ونبتهم الذي خرج من هذا الغرس . . ومن هنا تقوم في أنفسهم الدواعي القوية لرعاية هذا النّبت وبذل الجهد له ، حتى ينمو ، ويزهو ، ويثمر . . إن المجتمع لا يكون مجتمعا سليما ، قوى البنيان ، ثابت الأركان ، إلا إذا انتظمت أفراده مشاعر متلاحمة من التوادّ والتعاطف بين أفراده . . والأسرة هي أول لبنة في بناء المجتمع . . ومن هنا كان حرص الإسلام على إقامة هذه اللّبنة من مادة متماسكة ، متلاحمة ، مصفاة من الشوائب ، محصنة من الآفات . . فربط أولا بين الزوج والزوجة بهذا الرباط الموثق ، الذي لا ينحل إلا إذا عرضت له عوارض تجعل من إمساك الزوجين بهذا الرباط أمرا فيه إعنات لهما ، أو لأحدهما ، فكان التحلل منه أرفق وأوفق . . ثم لم يدع الإسلام هذا الرباط ينحل تلقائيا - إذا دعت دواعيه - بل جعل له أسلوبا خاصا يجرى عليه ، ويتعامل الزوجان بمقتضاه ، كأن تعتدّ المرأة بعد انحلال الرابطة الزوجية بالطلاق أو الوفاة ، وكأن يقدم الرجل للمرأة مؤخر الصداق ، ونفقة العدة ، وغير هذا مما هو مفصل في كتب الفقه . . ثم هذه الثمرة التي يثمرها الزواج من أولاد ، وما يجب على الآباء عن رعاية وتربية لهؤلاء الأولاد ، وهو أمر وإن كان في فطرة الكائن الحي ، إلا أن الإسلام جعله شريعة ، يؤخذ بها من فسدت فطرتهم من الآباء والأمهات . . وكذلك أوجبت الشريعة على الأبناء طاعة الآباء ، وبرّهم ، وتقديم الرعاية الكاملة لهم عند الكبر والعجز . . وهذا أمر وإن كانت تقضى به الفطرة ، وتوجبه المروءة ، التي تدعو إلى مقابلة الإحسان بالإحسان ، فإن الإسلام جعله شريعة ملزمة ، وحقا واجب الأداء ، إذا كان في الأبناء من ذهبت مروءته ، وطمست معالم فطرته ، فلم يرع هذا الحق ابتداء من غير طلب . .